ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

444

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

طينا لازبا جيدا ، فذلك قوله ( تعالى ) : مِنْ طِينٍ لازِبٍ « 1 » يعني لزقا جيّدا ، ثمّ صوّره فتركه مصوّرا حتّى جفّ ، فإذا حرك صارت له قعقعة بمنزلة الطين الجيد إذا ذهب عنه الماء تشقق وله صوت كصوت الفخار ، فذلك قوله ( تعالى ) : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ « 2 » . قال ابن عبّاس : ثمّ صوّره اللّه بيديه وصوره من سبعة أقاليم الدنيا ، فخلق رأسه من تربة الكعبة ، وعنقه من تربة بيت المقدس ، وصدره من تربة الدهناء ، وبطنه وظهره من تربة الهند ، ويديه من تربة المشرق ، ورجليه من تربة المغرب ، وجلده ولحمه وعظمه وعصبه وعروقه من سائر التراب من بين أبيض وأحمر وأصفر ، فكلّ لون من ألوان الآدميين كان في آدم إلّا وجهه فإنّه قد كان غلب على هذه الألوان كلّها ، فكان أبيض كالشمس في أعلى بروجها . أقول : فكما أنّ اللّه صوّر آدم فخلق رأسه من تربة الكعبة كما ذكر إلى آخره ، كذلك يا مؤمن خد قبضة من تراب الحسرة وامزجه بماء الدمعة ثمّ صوّر منه صورة التوبة ، فاجعل رأسها من الندامة لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الندم توبة » واجعل عنقها من الاستغفار لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة » . وصدرها من الإقلاع لأنّ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذّابين ، وبطنها وظهرها من الإضمار على أن لا تعود إلى الذنب أبدا مع الوفاء بذلك . وقال مالك بن دينار : دخلت على جار لي وهو مريض فقلت : عاهد اللّه أن تتوب عسى أن يشفيك . قال : هيهات يا أبا يحيى أنا ميّت عاهدت كما كنت أعاهد فسمعت قائلا من ناحية البيت : عاهدناك مرارا فوجدناك كذوبا . ويديها إرضاء الخصماء ، ورجليها إعادة الفرائض التي تركتها ، وجلدها ولحمها وعصبها من الفضائل والحسنات من تهليل وتحميد وتسبيح ، والاشتغال بالعبادات وفعل الطاعات ، والمواظبة على المستحبّات كتشييع الجنائز وعيادة المرضى وأشباه ذلك ، فإذا فعلت ذلك فقد صرت حبيب اللّه ، واللّه ( تعالى ) يقول : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ « 3 » ، وصرت طاهرا من دنس الخطايا . لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » . رجعنا إلى ما ذكر أوّلا ، قال وهب بن منبه : خلق اللّه رأس آدم من الأرض الأولى ، وعنقه من الأرض الثانية ، ويديه من الأرض الثالثة ، وصدره من الأرض

--> ( 1 ) - الصافات : 11 . ( 2 ) - الرحمن : 14 . ( 3 ) - البقرة : 222 .